ليس أقسى على شعب يعشق كرة القدم من أن يرى حلمه يُنتزع منه ليس بقدم منافس، بل بقرار تحكيمي يزرع في القلب ذلك الإحساس المرير بأن المعركة لم تكن عادلة منذ البداية. ومرة أخرى، لم يكن المغاربة أمام مجرد مباراة كرة قدم، بل أمام فصل جديد من فصول ألم رياضي يتكرر بشكل يثير أكثر من علامة استفهام، عنوانه العريض: لماذا تبدو المنتخبات والأندية المغربية في كل مرة مطالبة بالانتصار على المنافس… وعلى التحكيم معاً؟
ما عاشه "أشبال الأطلس" أمام تونس من أخطاء تحكيمية قاتلة خلال المباراة الإفتتاحية لكأس أمم إفريقيا أقل من 17 سنة لم يكن حادثاً معزولاً يمكن وضعه في خانة الخطأ البشري العابر، بل بدا وكأنه امتداد لسيناريو مؤلم أصبح مألوفاً بشكل يبعث على القلق. ركلتا جزاء واضحتان تُبتلعان أمام أعين تقنية الفيديو، بطاقة حمراء بدت مستحقة تُنسى في دهاليز الصافرة، وغضب جماهيري مشروع في ملاعب مغربية احتضنت الحدث كما يليق بقيمة كرة القدم… لكن النهاية كانت واحدة: شعور متجدد بأن العدالة غابت مرة أخرى حين تعلق الأمر بفريق مغربي.
الأكثر وجعاً أن هذه الصور لا تأتي من فراغ، بل تعيد إلى الذاكرة سريعاً جراح نهائي كأس إفريقيا 2025، حين اصطدمت طموحات المغاربة، مرة أخرى، بقرارات تحكيمية كارثية، في بطولة لم يدخر المغرب جهداً في جعلها واجهة مشرفة للقارة. يومها، كما اليوم، لم يكن السؤال فقط عن نتيجة مباراة، بل عن شعور أمة كروية كاملة بأن ما يُقدم داخل الملعب لا يكفي دائماً حين تصبح الصافرة عاملاً حاسماً في تغيير المصير.
هنا بالضبط تكمن المأساة. المغرب لم يعد ذلك البلد الذي يشارك فقط… بل أصبح نموذجاً قارياً في التنظيم، والاستثمار، والبنية التحتية، والقدرة على إنجاح أكبر التظاهرات بشهادة العالم. ملاعب تضاهي كبريات المنشآت، جماهير تصنع الفرجة، وتنظيم يفرض الاحترام. ومع ذلك، لا يبدو أن كل هذا يشفع لفرقه ومنتخباته حين تدخل دائرة المنافسة القارية، حيث يتكرر الجدل التحكيمي بشكل يطرح، بمرور الوقت، تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان الأمر مجرد سوء تقدير… أم أن هناك شعوراً متنامياً بوجود تحامل ممنهج يكسر اندفاع الكرة المغربية كلما اقتربت من لحظات الحسم.
قد تكون كلمة “ممنهج” ثقيلة، لكنها تصبح مطروحة حين يتكرر الإحساس نفسه، وحين تتشابه السيناريوهات، وحين يجد الجمهور المغربي نفسه، مرة بعد أخرى، يناقش الأخطاء التحكيمية أكثر مما يناقش الجوانب الفنية. لأن الظلم في كرة القدم ليس فقط ركلة جزاء ضائعة أو بطاقة منسية، بل هو أيضاً قتل للمتعة، وتشويه لصورة المنافسة، وضرب لمبدأ تكافؤ الفرص.
لقد أصبحت الكرة المغربية، بمنتخباتها وأنديتها، مطالبة في كثير من المناسبات بإثبات تفوق واضح لا يترك مجالاً حتى لخطأ تحكيمي، وكأن الانتصار العادي لا يكفي، وكأن عليها دائماً أن تتجاوز العراقيل المضاعفة كي تحصل فقط على ما يفترض أنه حق مشروع: عدالة المنافسة. وهذا بحد ذاته اختلال خطير.
إن أكبر تهديد لكرة القدم الإفريقية اليوم ليس نقص المواهب، ولا ضعف التنظيم، بل ذلك الشرخ المتزايد في الثقة. حين يشعر جمهور بأكمله أن الصافرة قد تغيّر المصير أكثر من الأداء، تفقد اللعبة جزءاً من روحها. وحين تتحول تقنية الـVAR من رمز للإنصاف إلى مصدر للغضب، فإن المنظومة تكون مطالبة بمراجعة شاملة، لا ببيانات تبريرية عابرة.
المغرب أثبت أنه قادر على تنظيم بطولات عالمية بروح احترافية تبعث الفخر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: إلى متى ستظل الكرة المغربية مطالبة بإبهار الجميع خارج الملعب، بينما تُترك داخل الملعب أحياناً تحت رحمة قرارات تثير الغضب والشك؟
القضية اليوم أكبر من مباراة أمام تونس، وأكبر حتى من نهائي ضائع أو لقب مؤجل. إنها قضية مصداقية كرة قدم قارية بأكملها. فإذا كانت إفريقيا تريد فعلاً أن ترتقي بكرتها إلى مستوى طموحات شعوبها، فلا بد أن تبدأ من النقطة الأكثر حساسية: عدالة التحكيم. لأن الجماهير يمكن أن تصفّق للخسارة حين تكون نزيهة… لكنها لن تنسى أبداً شعور الظلم حين يصبح ضيفاً دائماً على أحلامها.
وفي انتظار ذلك، سيواصل المغاربة دعم منتخباتهم وأنديتهم، ليس فقط لأنهم يؤمنون بموهبتها، بل لأنهم باتوا يدركون، في كل مرة، أنهم لا يواجهون خصماً واحداً فقط… بل أحياناً منظومة كاملة تجعل الانتصار أكثر كلفة، والفرح أكثر ندرة.
بقلم : ذ عادل العسولي
#أشبال_الأطلس #المنتخب_المغربي #التحكيم_الإفريقي #فضيحة_تحكيمية #VAR #كأس_إفريقيا #المغرب #أسود_الأطلس #Morocco #AtlasLions