بينما تتجه أنظار العالم إلى المغرب باعتباره أحد أبرز الصاعدين على الساحة الكروية العالمية ، بفضل النتائج الاستثنائية التي حققتها المنتخبات الوطنية واستعداده لتنظيم كأس العالم 2030 ، يبدو أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قررت فتح ورش جديد قد يكون الأكثر أهمية في السنوات المقبلة : إصلاح البطولة الإحترافية من الداخل.
فالإجتماع الأخير للمكتب المديري للجامعة لم يكن مجرد جلسة إدارية أو مناسبة لإستعراض الأرقام، بل حمل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة ، عنوانها الحكامة ، والإستقرار ، وحماية التنافس الرياضي ، بعدما أعلن رئيس العصبة الوطنية لكرة القدم الإحترافية ، عبد السلام بلقشور ، أن الميزانية الإجمالية للبطولة بلغت 965 مليون درهم ، بالتزامن مع اعتماد سلسلة من الإجراءات التنظيمية الجديدة ، أبرزها تأجيل مباريات الأندية التي يُستدعى أكثر من ثلاثة من لاعبيها للمنتخب الوطني الأول.
لكن خلف هذه الأرقام والقرارات يبرز سؤال أكبر : هل نحن أمام بداية تحول حقيقي في البطولة الوطنية ، أم أن الأمر لا يعدو كونه تحسينات إدارية لن تغيّر واقع المنافسة ؟
الجواب لا يرتبط بحجم الميزانية ، بل بطريقة استثمارها. فالخبراء في اقتصاد الرياضة يجمعون على أن البطولات الكبرى لا تقاس فقط بما تنفقه ، وإنما بما تنتجه . والدليل أن أقوى المنتخبات في العالم تستند إلى دوريات محلية تصنع اللاعب قبل أن يصنع اللاعب إنجازات المنتخب.
ولهذا ، فإن الرهان الحقيقي للجامعة اليوم لم يعد فقط الفوز بالألقاب ، بل صناعة منظومة كروية متكاملة تجعل البطولة الإحترافية مصنعًا دائمًا للمواهب ، لا مجرد محطة انتقال نحو الإحتراف الخارجي.
ومن هذا المنطلق ، يكتسب قرار تأجيل مباريات الأندية التي تفقد أكثر من ثلاثة لاعبين بسبب استدعائهم للمنتخب أهمية خاصة. فهذا القرار يعالج واحدًا من أكثر الملفات التي أثارت الجدل خلال السنوات الماضية ، حيث كانت بعض الأندية تجد نفسها مضطرة لخوض مباريات مصيرية وهي محرومة من أبرز عناصرها ، في حين تستفيد أندية أخرى من اكتمال صفوفها. والنتيجة كانت اختلالًا في مبدأ تكافؤ الفرص ، وهو أحد أعمدة أي بطولة إحترافية.
لكن أهمية القرار تتجاوز العدالة التنافسية. فهو يحمل رسالة واضحة للاعب المحلي أيضًا : تمثيل المنتخب لن يتحول بعد اليوم إلى عبء على ناديه ، بل سيصبح جزءًا طبيعيًا من مسار البطولة . وهذه نقطة قد تشجع الأندية على الاستثمار أكثر في اللاعبين القادرين على حمل قميص المنتخب ، بدل النظر إلى إستدعائهم كخسارة فنية.
وفي المقابل ، فإن ما كشفه بلقشور بشأن الرقمنة ، وتطوير مراكز التكوين ، وتقليص النزاعات ، واحترام العقود ، يعكس انتقال العصبة من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب. فمن الصعب الحديث عن بطولة قوية في ظل نزاعات مالية متكررة ، أو غياب الاستقرار الإداري، أو ضعف التكوين. ولذلك فإن إصلاح هذه الجوانب يمثل خطوة ضرورية لإرساء احتراف حقيقي.
غير أن هذه الإصلاحات، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تترافق مع ثورة موازية في ملفات أخرى لا تقل تأثيرًا، مثل التحكيم، وجودة الملاعب، والتسويق الرياضي، وحقوق البث، والرفع من الموارد الذاتية للأندية، وتحويلها إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على الاستثمار في الإنسان قبل البحث عن النتائج.
فالمنتخبات المغربية، بمختلف فئاتها، أصبحت تحقق نتائج تاريخية، لكن استمرار هذا النجاح يتطلب تدفقًا مستمرًا للمواهب. ولا يمكن لأي أكاديمية، مهما بلغت جودتها، أن تعوض بطولة محلية قوية تمنح اللاعبين عشرات المباريات التنافسية كل موسم. فهناك تُصقل الشخصية، ويُبنى الإيقاع، وتُكتسب الخبرة، وتظهر القيادات.
ولعل أكبر تحدٍّ أمام الكرة المغربية خلال السنوات المقبلة لن يكون التأهل إلى كأس العالم أو المنافسة على كأس إفريقيا، بل الحفاظ على المستوى نفسه لعقد كامل. وهذا لن يتحقق إلا إذا أصبحت البطولة الوطنية قادرة على إنتاج لاعبين جاهزين للمنتخب الأول بشكل منتظم، كما تفعل الدوريات الكبرى في أوروبا وأمريكا الجنوبية.
لهذا، يمكن القول إن القرارات الأخيرة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست خط النهاية، بل بدايته. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد البلاغات، ولا بحجم الميزانيات، وإنما بما ستكشفه السنوات المقبلة: هل سترتفع القيمة الفنية للبطولة؟ هل ستزداد نسبة اللاعبين المحليين داخل المنتخب الوطني؟ هل ستصبح الأندية المغربية أكثر قدرة على المنافسة قارياً؟ وهل ستتحول مراكز التكوين إلى مناجم حقيقية للمواهب؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بالإيجاب، فإن ما جرى اليوم قد يُسجل لاحقًا كنقطة تحول في تاريخ الكرة المغربية. أما إذا بقيت هذه القرارات دون تقييم ومواكبة ومحاسبة، فإنها ستظل مجرد إصلاحات مهمة… لكنها لن تكون كافية لصناعة البطولة التي يحلم بها المغاربة.
وفي النهاية، يبدو أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اختارت هذه المرة أن تبدأ من الجذور، لأن المنتخبات العظيمة لا تُصنع في أيام الفيفا فقط، بل تُبنى كل أسبوع داخل بطولة وطنية قوية، عادلة، مستقرة، وقادرة على إنتاج جيل جديد يحمل راية المغرب في أكبر المحافل الدولية.