من آلام المفاصل إلى منصة العالم.. قصة أسامة الرضواني مع البرونز العالمي

بوتوميت ابراهيم الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 12:22
image
من آلام المفاصل إلى منصة العالم.. قصة أسامة الرضواني مع البرونز العالمي

قبل عام واحد فقط، كان أسامة الرضواني، ابن الثامنة عشرة، يواجه معركة مختلفة تماماً عن تلك التي خاضها لاحقاً فوق المضمار. آلام حادة في المفاصل، وأطباء ومحاولات علاج متكررة، لكن من دون نتيجة تعيد إليه عافيته أو تضع حداً لمعاناته.

كان مستقبل العداء الشاب يبدو معلقاً، خصوصاً أن الإصابة امتدت أشهراً طويلة. غير أن قصة أسامة لم تكن لتتوقف عند حدود الألم.

في مارس الماضي، أي قبل نحو خمسة أشهر فقط من انطلاق بطولة العالم لألعاب القوى لأقل من 20 سنة، اختار الطاقم المشرف على العداء اللجوء إلى الدكتور بنسعيد بمدينة مكناس، المتخصص في جراحة العظام والمفاصل. وبعد تشخيص دقيق لحالته، تم التوصل إلى العلاج الذي أعاد لأسامة الأمل في استعادة عافيته والعودة إلى المضمار.

لكن العودة لم تكن سهلة، ولم يكن الرضواني يعيش فترة راحة كاملة كما قد يتبادر إلى الذهن. فخلال فترة الإصابة، واصل العمل على استعادة جاهزيته تدريجياً، من خلال تمارين خفيفة داخل صالة الرياضة، إلى جانب حصص للسباحة، وذلك بمساعدة مديرة مركز بنسليمان لألعاب القوى التابع للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، التى هيأت الظروف المثالية للاشتغال بالمركز.

كان الوقت يضيق، بينما كان الهدف يكبر، أمام هذه الوضعية، قرر المدرب كريم آيت الحاج وضع برنامج تحضيري مكثف وسريع، أشبه بعملية استدراك رياضي حقيقية، لإعادة العداء إلى مستواه في أقصر وقت ممكن. ولم يكن الرهان سهلاً: استعادة اللياقة، ثم البحث عن التوقيت المؤهل إلى بطولة العالم، لكن في سباق 5000 متر، وليس 1500 متر.

بدأ أسامة يسترجع شيئاً من مستواه، فاختار مدربه الدفع به للمشاركة في أحد الملتقيات داخل المغرب، على أمل انتزاع التوقيت المطلوب. غير أن مستوى بعض الملتقيات لم يكن كافياً لتحقيق الرقم المؤهل. بعدها جاء التفكير في المشاركة خارج المغرب، لكن عائق التأشيرة حال دون ذلك، ليبقى الانتظار سيد الموقف.

إلى أن جاء ملتقى محمد السادس لألعاب القوى المدرج ضمن جولات الدوري الماسي في نهاية شهر ماي. هناك، سنحت الفرصة. شارك أسامة في سباق 1500 متر، ونجح في تحقيق التوقيت المطلوب للتأهل إلى بطولة العالم، رغم أن سباق 5000 متر، الذي كان يمثل الهدف الأساسي للطاقم، لم يكن مدرجاً ضمن برنامج الملتقى.

لكن التأهل لم يكن نهاية القصة، كان المدرب لا يزال يبحث عن توقيت أقوى في مسافة 3000 متر أو 5000 متر، باعتبارهما الهدف الحقيقي من عملية الإعداد. وشارك أسامة لاحقاً في سباق 3000 متر ضمن منافسات كأس العرش، وسجل توقيتاً بلغ 7 دقائق و59 ثانية، غير أن سباق 3000 متر لم يكن مدرجاً ضمن برنامج الاتحاد الدولي لألعاب القوى، وبالتالي لم يُعتمد التوقيت المسجل ضمن السجلات المطلوبة.
هكذا، وبينما كانت كل الخطة التدريبية موجهة أساساً نحو 3000 و5000 متر، كانت مسافة أخرى تخبئ لأسامة المفاجأة.

1500 متر المسافة التي لم تكن الهدف الأول، تحولت في النهاية إلى بوابة العداء الشاب نحو منصة التتويج العالمية.
في بطولة العالم لأقل من 20 سنة بأوريغون، دخل الرضواني سباق 1500 متر، وهناك كتب الفصل الأهم في قصته. أنهى السباق في المركز الثالث، مسجلاً توقيتاً قدره 3 دقائق و39 ثانية و68 جزءاً من المائة، ليحصد الميدالية البرونزية العالمية.

من الإصابة إلى العودة، ومن أربعة أشهر فقط من التدريب الفعلي إلى منصة التتويج العالمية، تبدو قصة أسامة الرضواني أقرب إلى سباق مع الزمن منها إلى مسار إعداد تقليدي.

واللافت أن هذا التتويج لم يأتِ، بحسب مدربه كريم آيت الحاج، من عمل فردي معزول، بل هو ثمرة مشروع يشتغل عليه المدرب مع مجموعة من العدائين الشباب، من بينهم بوشجدة، بطل العالم في سباق 800 متر، والبوزيدي التى حلت في المركز العاشر في سباق 1500 متر.

لذلك، فإن برونزية أسامة ليست مجرد ميدالية أضيفت إلى رصيده. إنها أيضاً نتيجة لرهان على عداء شاب كان، قبل أشهر قليلة فقط، يحاول استعادة القدرة على التدريب بشكل طبيعي.

ربما لم تسر الأمور كما خُطط لها. كان الهدف 3000 و5000 متر، لكن الطريق قاد إلى 1500 متر. وكان الإعداد يفترض أن يمتد بشكل طبيعي، لكن الإصابة اختصرت الزمن إلى أربعة أشهر فقط من التدريب الحقيقي.ومع ذلك، حين أطلق الحكم إشارة النهاية، لم يعد مهماً كثيراً أي مسافة كانت في الخطة.
المهم أن أسامة الرضواني كان هناك، على منصة العالم، والميدالية البرونزية حول عنقه، وكانت هي الميدالية الثانية للمغرل في البطولة بعد ذهبية مواطنه بوسجدة في 800 متر.

بطولة العالم انتهت، لكن قصة الرضواني لم تنتهِ، بل لتوّها بدأت، كما قصة بوشجدة ومن معه. فهم مشاريع أبطال لمستقبل ألعاب القوى المغربية، لا محالة. فلأول مرة منذ متابعتي بطولات العالم خلال العقدين الأخيرين، أرى جيلاً بهذه الرغبة والعزيمة. فمن أصل عشرة عدائين شاركوا، أحرز المغرب ميداليتين، وبلغ سبعة عدائين الدور النهائي.

هؤلاء العداؤون يقولون، بإنجازاتهم قبل كلماتهم: نحن هنا، وقادرون على مواصلة كتابة تاريخ ألعاب القوى المغربية، شرط أن نجد الدعم والظروف المواتية.

اخر الأخبار :